الجاحظ

209

البخلاء

جاد بحوبائه عند المصافنة « 1 » فما رأينا عربيا سفّه حلم حاتم بجوده بجميع ماله ، ولا رأينا أحدا منهم سفّه حلم كعب على جوده بنفسه . بل جعلوا ذلك من كعب لإياد مفخرا ، وجعلوا ذلك من حاتم لطيء مأثرة ، ثم لعدنان على قحطان « 2 » ، ثم للعرب على العجم ، ثم لسكان جزيرة لعرب ، ولأهل تلك التربة ، على سائر الجزائر والترب . فمن أراد أن يخالف ما وصف اللَّه جلّ ذكره به نفسه ، وما منح من ذلك نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وما فطر على تفضيله العرب قاطبة والأمم كافة ، لم يكن عندنا فيه إلا إكفاره واستسقاطه « 3 » . ولم نر الأمة أبغضت جوادا قطَّ ولا حقرته ، بل أحبّته وأعظمته . بل أحبّت عقبه ، وأعظمت من أجله رهطه . ولا وجدناهم أبغضوا جوادا ، لمجاوزته حدّ الجود إلى السرف ، ولا حقرته ، بل وجدناهم يتعلمون مناقبه « 4 » ، ويدّارسون محاسنه ، وحتى أضافوا إليه من نوادر الجميل ما لم يفعله ، ونحلوه « 5 » من غرائب الكرم ما لم يكن يبلغه . ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يضاعف ، كما تضاعف الحسنات في الآخرة . نعم وحتى أضافوا إليه كلّ مديح شارد « 6 » ، وكل معروف مجهول الصاحب . ثم وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدّ هذه الصفة ، وعلى خلاف هذا المذهب . وجدناهم يبغضونه مرة ، ويحقّرونه مرة ،

--> « 1 » بحوبائه : بنفسه . المصافنة : ان يقاسم الواحد الآخر . « 2 » إياد : قبيلة كعب . وإياد : اسم رجل ، هو ابن معد قحطان : أبو اليمن . طيء : أبو قبيلة من اليمن . وحاتم الطائي : الرجل المشهور بجوده ، وهو حاتم بن عبد اللَّه بن سعد بن الحشرج الطائي . كانت وفاته نحو سنة 45 ق ه . وعدنان : من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ، أحد من تقف عندهم أنساب العرب . « 3 » إكفاره : دعوته كافرا واستسقاطه : الجحود به وإنكاره ، وإسقاطه . « 4 » مناقبه : صفاته الحميدة . « 5 » نحلوه : نسبوا إليه صفة ليست له . « 6 » شارد : نافر . يعني المديح الغريب .